المجلة الجزائرية التربية والصحة النفسية
Volume 0, Numéro 4, Pages 64-81

العنف الاسري (سوء المعاملة الوالدية) و انعكاساته السلبية على التحصيل الدراسي للأبناء.

الكاتب : الحاج طيبي .

الملخص

يعتبر العنف من بين أول مظاهر السلوك التي عرفتها المجتمعات منذ زمن قديم، لكن معادلاته ارتفعت كثيرا خلال السنوات الأخيرة، كما أن أنواعا جديدة ظهرت لأول مرة ولا يكاد المجتمع المعاصر يخلو من بعض أشكاله، إلا أن بعض أسباب العنف مرتبطة ببعض خصائص المجتمع المعاصر وخصوصا ما يبدو وأنه تعبير عن ضغوطات ومشاعر الإحباط. إذن، العنف حاضر في مجالات الحياة المعاصرة المتنوعة، فهو حاضر في المؤسسات الاجتماعية، في السجون والمدارس وغيرها كالملاعب والأحياء السكنية والشوارع...الخ، والأسرة مثلها مثل كل التنظيمات الاجتماعية الأخرى تعاني من ظاهرة العنف، غير أن العنف الذي يحدث داخل محيطها لم يحظ بالاهتمام الذي يستحقه من طرف الباحثين. والعنف الأسري ليس صفة للأسرة المرضية أو غير السوية ولكنه يبدو كذلك في الأسرة العادية المحيطة بنا من كل مكان، ويمكن أن يظهر العنف في العلاقات بين الأفراد ومن هنا نرى أن الطفل في كل هذه المواقف في سياق عملية التنشئة يكون أكثر عرضة للخبرات العدوانية. ولما كانت الأسرة هي الخلية الدينامية الأولى التي تقوم بعدة وظائف تهدف كلها إلى نمو وتطور الأبناء وتكوين الحياة الاجتماعية بصفة عامة، لذا نجد للمعاملات السائدة بين أعضائها تأثيرا كبيرا على تربية الأطفال هاته الأخيرة التي تتصف بصفتين متناقضتين بحيث أنه إذا كانت هاته المعاملات يسودها الوفاق والتفاهم والاحترام يكون لها تأثيرا ايجابيا على تربية الأطفال. وينظر الكثير من الباحثين إلى العنف والعدوانية والخلافات الموجودة بين أفراد الأسرة على أنه أمر متصل بمستجدات العصر فالمناخ الاجتماعي المتغير ذو أثر على نوعية العلاقات الداخلية بين الوالدين ببعضهما، وكذلك علاقة الوالدين بالأولاد مما يؤدي إلى فقدان الأسرة وظيفتها، ويظهر ذلك جليا في الطريقة التي يعامل بها الأولاد وكذلك في معاملة الأولاد لبعضهم البعض، فنوعية العلاقة الموجودة بين الوالدين لها دور جد مهم في تكوين الطفل سواء من الناحية النفسية أو الثقافية والدراسية خاصة. فلقد جلب موضوع التحصيل الدراسي اهتمام وانشغال الكثير من المربين وعلماء النفس والإدارة المدرسية وحتى الأولياء، ووجهت نشاطاتهم نحو ميادين عديدة ومتنوعة للكشف عن العلاقة القائمة بين التحصيل و بين موضوعات أخرى والتأثيرات المتبادلة بينها. والملاحظ أن بعض الأسر في مجتمعنا تسودها العدوانية والعنف، وهذا راجع لسوء التفاهم القائم بين الوالدين من الناحية الاجتماعية أو الثقافية أو الاقتصادية أو الدينية، وكذلك الاختلافات الحادة الموجودة بين الأولاد فيما بينهم والوالدين بين بعضهما البعض, الأمر الذي يبدو انعكاساته السلبية على التحصيل الدراسي للأولاد، ذلك ما أكدته الكثير من البحوث في هذا المجال. بحيث يؤكد (ستورن) على العلاقة القائمة بين الفشل في القراءة وبين الأمان والهدوء والطمأنينة التي يشعر بها الطفل، كما أشارت (دورا سميث) إلى العلاقة بين الجو العاطفي والتأخر الدراسي بحيث وجدت أن 40 بالمائة من حالات التأخر الدراسي ترجع إلى الاضطراب الانفعالي الذي يعانيه الأبناء، فالهدوء والطمأنينة والاستقرار السائدين بين أفراد الأسرة له دخل كبير في اتزانها. تعتبر العدوانية من المواضيع الهامة جدا والتي لاقت اهتمام الكثير من العلماء والعياديين بحيث نجد في هذا المجال دراسات ونظريات عدة، ذلك أنه سلوك يؤثر على نواحي عديدة من حياتنا وعلاقاتنا الاجتماعية، فهذا الجانب الانفعالي الظاهر سلوكيا هو أكثر الأعراض النفسية شيوعا في بعض البلدان الغربية. فعلى سبيل المثال في فرنسا حسب التلفزيون الفرنسي بلغت نسبة العنف عام 1980م، 44.89 بالمائة وانتقلت عام 1990م إلى نسبة 61.6 بالمائة، وأصبحت تقدر عام 1997م ب61.7 بالمائة. وحسب بعض الإحصائيات في العالم وجد أن 23 بالمائة من المراهقين أقدموا على الانتحار بسبب الخلافات مع الوالدين، مائتان واثنان وثمانون ألفا (282000) من الطلاب بالمدارس يتعرضون للاعتداء الجسدي كل شهر في أمريكا، مائتان وسبعون ألف مسدس (270000) يحمله طلاب المتوسطات والثانويات في الولايات المتحدة الأمريكية بالإضافة إلى أن ثلاثة (3) ملايين عمل إجرامي من كل الأنواع يقترف سنويا في المؤسسات المدرسية أو التعليمية بأمريكا، كما لوحظ انتشار ظاهرة العنف لدى الأطفال خاصة بحيث بلغت نسبته 17.85 بالمائة بفرنسا في محيط 100 ألف ساكب أما في السويد فقد بلغت نسبة عنف الصغار 9.31 بالمائة في محيط 100 ألف ساكن. إن استجابة الطفل بالعدوانية للمعاملة الوالدية سواء كانت عقابية أو تدليلية، ما هي إلا رفض أو استغلال لهذه الوضعية. إن موضوع المعاملة الوالدية وعلاقتها بظهور السلوك العدواني يعتبر موضوعا اجتماعيا هاما، فهو جدير بالدراسة لكونه يثير الكثير من القضايا سواء على مستوى الفرد أو المجتمع. فالاهتمام بالطفل معناه الاهتمام بالجيل الصاعد الذي يعتبر الدعامة الأساسية لبناء مستقبل الأمم، والطفل لا يحظى بالاهتمام إلا داخل الأسرة، بحيث أن عدم الاستقرار بالجو العائلي والمعاملة الوالدية السيئة والقاسية من شأنها أن تؤدي إلى نتائج وخيمة على حياة الطفل تنعكس سلبا على سلوكه. إن الشعور بأهمية المشكلة وخطورتها هو الدافع إلى تناول هذا الموضوع، إذ تعد المعاملة الوالدية القاسية من أهم المشاكل الاجتماعية التي تعانيها دول العالم، كما تبرز أهميتها في كونها تنصب على مرحلة الطفولة بحيث تتفق جل تيارات علم النفس حول الاهتمام بالطفولة والبيئة الاجتماعية الأولى وأهميتها في تنشئة الطفل وتكوين شخصيته، إضافة إلى أن الطفولة ذات التكوين السليم تشارك في وضع أسس الشخصية السوية، لكن إذا نشأ الطفل في غير هذا الإطار الطبيعي أي في إطار من (سوء معاملة الوالدين) فلا بد من أن تتشكل شخصيته بطريقة غير سوية، لأن الأسرة تعتبر المجال الاجتماعي الأول الذي ينشأ فيه الطفل والتي من خلالها ينمي اتجاهاته الرئيسية وأنماطه السلوكية فاكتساب النمو النفسي للطفل مقرون بمدى صلاحية الجو الأسري الذي يعيش فيه. وللتأكيد على أهمية هذا الموضوع سوف نعرض بعض الإحصائيات في سنتي 2005م، 2006م لسوء المعاملة الوالدية في الجزائر التي مورست على أطفال يتراوح سنهم بين أقل من عشر (10) سنوات و 18 سنة. حيث كان عدد ضحايا سوء المعاملة الوالدية عام 2005م يقدر ب 414 طفلا، أما في السداسي الأول فقط من سنة 2006م فقد قدر العدد ب 113 طفلا. (قدمت هذه الإحصائيات من طرف مسؤولة مكلفة بحماية الطفولة في الشرطة القضائية).

الكلمات المفتاحية

العنف الاسري;انعكاسات; التحصيل الدراسي