مجلة الحكمة للدراسات الفلسفية
Volume 1, Numéro 1, Pages 49-63

خصوصية التجربة الصوفية الإسلامية، والقراءة التأويلية للنّص الديني

الكاتب : عبد القادر شارفي .

الملخص

‏ إن ظاهرة التصوف في عمومها ملازمة للشعور الديني المنبثق عن ظاهرة الدين ‏الذي لم تخل منه حضارة من الحضارات الإنسانية، إذ "بات في حكم المقرّر أن الدين قد ‏لازم نشأة الحضارة، وبدا على أنه خصلة من الخصال التي تميز الفكر الإنساني، حتى أن ‏من العسير على ما يبدو، أن نفترض وجود مجتمع غابر خلو من التدين، إلاّ إذا اعتبرناه ‏متسمًا ـ وأعضاءهـ بالبلاهة أو العجز"‏ ‏. فالتدين شعور أصيل في الحياة الإنسانية حتى ‏وإن اتخذ أشكالاً وصورًا مختلفة من بيئة لأخرى أو من زمن لآخر، وقوام هذا الشعور أن ‏هناك كائنا أسمى من الإنسان، وقد كان إدراكه بالصورة التجريدية، سواء كما عبر عنه ‏التفكير الفلسفي، أو كما عبرت عنه الديانات التوحيدية الكبرى، مرتبطا بدرجة نمو ‏الفكر الإنساني. والتلازم بين التصوف والدين، يبرز من خلال طبيعة وهدف كليهما، ‏فكما أن الشعور الديني هو في حقيقة أمره علاقة بين الإنسان والمطلق المقدس، كذلك ‏التصوف نجده ينحلّ إلى علاقة بين المتصوّف والمتعالي وهي علاقة تمتاز بكونها عميقة ‏وشديدة بحيث يطغى المتعالي على شعور المتصوّف إلى درجة أنه لا يرى في الوجود إلاّ ‏إيّاه. ومن شأن ذلك الشعور أن يتحوّل إلى اشتياق دائم للمتعالي تستحيل معه حياة ‏المتصوّف إلى جهاد دائم ضد كل ما يحول بينه وبين التقرب إلى الله بل والاتحاد به. تلك ‏خاصية التجربة الصوفية كما نجدها عند مختلف المتصوّفين رغم اختلاف دياناتهم ‏وثقافاتهم التي تؤوّل في إطارها تجاربهم الصوفية. إلاّ أن المشترك بينهم هو المتعالي أو ‏المفارق وإن كان عند المتديّن الموحّد هو الله الواحد الأحد كما عبرت عنه نصوص ‏الديانات التوحيدية. ذلك ما نجده في تجارب المتصوّفة البوذيين، والهندوس، والمسيحيين، ‏والمسلمين، وغيرهم. وهو ما يشير إليه وليم جيمس في كتابه "صنوف من التجربة ‏الدينية" حينما كتب يقول: "إن التّغلب على جميع الحواجز بين الفرد والمطلق هو الإنجاز ‏الصوفي العظيم. ونحن نصبح في المقامات الصوفية واحدا مع المطلق، ونكون على وعي ‏بهذه الواحدية. هذا هو التراث الدائم والظافر الذي يصعب أن تغيّره اختلافات ‏الظروف والعقائد. فنحن نجد في الهندوسية، وفي الأفلاطونية الجديدة وفي التصوف ‏الإسلامي، وفي التصوف المسيحي. نفس الملاحظة التي تتكرر باستمرار، حتى أنه ليوجد ‏بالنسبة للأقوال الصوفية إجماع أزلي يجبرنا على الوقفة النقدية والتفكير"‏ ‏. وذلك ما ‏اعتبر إجماعا على تشابه التجارب الصوفية " في جميع أنحاء العالم، وفي مختلف العصور ‏والثقافات، وفي مختلف التداعيات الدينية. وقد أقام العديد من الكتاب حجتهم في ‏موضوعية التجربة الصوفية على أساس هذا التشابه"‏ ‏. غير أن لكل تجربة صوفية ‏خصوصيتها يحدّدها الإطار المرجعي الديني والثقافي الذي تنتمي إليه وتؤوّل تجربتها من ‏خلاله، ولذلك لا توجد تجربة صوفية مجردة فكل حديث عن هذه التجربة لا يتم إلاّ من ‏خلال هذه الديانة أو غيرها أو هذه الثقافة أو تلك. هذه الخصوصية لم تكن مانعا من ‏تشابه هذه التجارب بين مختلف المتصوّفة والطرق التي ينتهجونها في سلوكهم الصوفي ‏والنتائج التي ينتهون إليها، وهو الأمر الذي حدا بكثير من الباحثين في ميدان التصوّف ‏خاصة ذوي الاتجاه التأريخي إلى الاستنتاج بأن التجارب الصوفية إنما ينسخ بعضها بعضا ‏ذاهبين بذلك إلى المصدر الأول للتصوّف ليثبتوا بأن التجارب الصوفية التالية لذلك إنما ‏تستعيد وتكرّر النموذج الأول، وهو ما نجد مثاله في الدراسات التي تناولت نشأة ‏التصوّف الإسلامي إذ كثير منها يجتهد في إرجاع التجربة الصوفية الإسلامية إلى تجارب ‏صوفية سابقة دخيلة على الفضاء الإسلامي ولا تمت إلى الإسلام كدين بصلة. ومن تلك ‏الدراسات الحديثة في هذا الميدان دراسة الدكتور محمد عابد الجابري للعرفان في الثقافة ‏العربية الإسلامية حيث يرجع التصوّف إلى الثقافة الهيلينستية وبالتحديد إلى التراث ‏الهرمسي ‏. غير أن هذا التشابه لا يدعو في الحقيقة إلى اعتبار أن هذه التجربة في هذا ‏الدين أو ذاك إنما تكرّر نفسها وان كانت تقتبس من بعضها البعض، وإنما تؤكد أن كل ‏دين إنما يحمل بذور التصوّف وقد تكون عقائده وتعاليمه تربة خصبة لنمو التصوّف ‏وترعرعه كما هو الحال في المسيحية والإسلام ولا أدلّ على ذلك ما شهدته هاتين ‏الديانتين من حركة تصوّفية كبيرة لا تزال آثارها ممتدة إلى يومنا هذا. ‏

الكلمات المفتاحية

الصوفية المذاهب الطريقة الإسلام الفلسفة التأويل القراءة النص الديني الخطاب الديني