مجلة الحضارة الإسلامية
Volume 16, Numéro 26, Pages 193-208

توظيف الاستقراء في استنباط المقاصد الشرعية

الكاتب : العيدية حمزة .

الملخص

يعتبر الاستدلال الاستقرائي وسيلة قوية في إثبات الأحكام والنظريات والقضايا،من أجل ذلك نال حظه الأوفر عند علماء الشريعة خاصة عند الأصوليين، وغالبا ما يتوهم أن هذه الوسيلة هي نتاج فلاسفة اليونان، والحقيقة خلاف ذلك، فالقرآن الكريم أرشد إليه ودعا إلى استعماله في مواطن عديدة بل اتخذه وسيلة من وسائل الاستدلال على سنن الله تعالى في الخلق وعلى دلائل قدرته الكونية. فتفطن له الفقهاء واستعملوه في إثبات الأحكام ولم يكن معروفا بهذا المصطلح بل كانوا يطلقون عليه إلحاق الفرد بالأعم الأغلب(1).وارتبط في الأذهان فن المقاصد بالاستدلال الاستقرائي كما ارتبطت المقاصد بالشاطبي، لأن بحفظها تستقيم الحياة الدنيا ويتفضل الله تعالى على خلقه بالنجاة والنعيم في الدار المقامة. لهذا سعى الشاطبي جاهدا في استخدام المنهج الاستقرائي لإثبات قطعية مقاصد الشريعة، فوسّع مجال استخدامه في الشرعيات وبدأ يبرهن على قضايا شرعية متعددة ومتنوعة، وبهذا اقترن اسم الشاطبي بالاستقراء المقاصدي أكثر من غيره. والواقع أن الإمام الشاطبي تأثر بالإمام الغزالي، واصطبغ بفكره في الاستدلال بالاستقراء، ويظهر ذلك جليا في اعتماده على المستصفى، ثم خلف الغزالي شيخ الإسلام ابن تيمية، كما وصفوه بشيخ الاستقرائيين وإمامهم في إثبات مقاصد الشريعة وغيرها، إذ الاستقراء سمته البارزة وعلامته الظاهرة، إن في الاستدلال والاستنباط أو إصدار الأحكام، أو التأليف والكتابة في شتى العلوم الشرعية الأصلية والتبعية، فتراه إذا أراد أن يستدل لقضية ما حشد لها الآيات والأحاديث وأقوال الأئمة (2). فوظف هذا المنهج واحتج به في الناحية العلمية والتطبيقية، وبتتبع ودراسة الثروة التي خلّفها ابن تيمية يتبيّن أنه استثمر هذا المنهج في الاستدلال على قضايا العقيدة والفقه والأصول مرات عديدة، بل كان الميزة التي خصت مصنفاته، ثم خلف من بعده العز بن عبد السلام إذ عدّ الاستقراء طريقا من الطرق الموصلة إلى معرفة المصالح والمفاسد في أكثر من موضع، وبهذا نجد الإمام الشاطبي استفاد من بناء هؤلاء الرواد في هذا العلم وتأثر بهم، وكان حظه أنه بنى الموافقات من المقدمة الأولى على الخاتمة على المنهج الاستقرائي ولهذا اعترض عليه (3) أنه لم يذكره بين الجهات التي تعرف بها مقاصد الشارع، وإن كان في تركه مرمى وهو أنه قدر مشترك بين جميع الوسائل. فكان هذا المنهج المحور الأساس في قطعية المقاصد، وجمع إليه المتقدمين والمتأخرين إلى جانب المعاصرين.

الكلمات المفتاحية

الاستقراء الشاطبي الاستنباط المقاصد