مقاليد
Volume 2, Numéro 3, Pages 19-26

تحولات الشخصية الروائية وتفاعلاتها مع الحيز رواية كتاب الأمير : مسالك أبواب الحديد ( لواسيني الأعرج ) نموذجا

الكاتب : مسعودي العلمي .

الملخص

إن المكان هو الأكثر التصاقا بحياة البشر، لأن إدراك الإنسان للمكان يختلف من حيث إدراكه للزمن، ففي الوقت الذي يدرك فيه الزمن من خلال تأثيره في الأشياء إدراكا غير مباشر يدرك المكان بطريقة مباشرة إدراكا ماديا حسيا.»( ) وقد تكون الأماكن مرفوضة أو مرغوب فيها، لأن اختيار المكان وتهيئته يمثلان جزءا من بناء الشخصية البشرية »( )، كما يكون المكان أليف أو موحش، مكان سعادة أو الشقاء أو الواقع المر أو الحلم الدافئ، الضياع أو المصالحة مع النفس أو الجماعة.»( ) الانتماء إلى المكان هو الذي يحدد طبيعة العلاقة بالمكان من ناحية الغربة والألفة، فالمكان الأصلي هو المكان المحوري بالنسبة للشخصية إذا تحققت فيه مطالبها ورغباتها،ووجدت فيه الجانب الحيوي، وفي حالة افتقار هذا الجانب تبحث الشخصية عنه في مكان آخر، ومن ثم يحصل الانفصال عن المكان المركزي والاتصال بالمحيط.»( ) ومن خلال هذه المفاهيم التي تعرضنا إليها نرى أن المكان يعد من العناصر الأساسية المكونة للبناء الروائي والتي تسهم في معماريته عن طريق علاقة المكان بالشخصيات ومدى تفاعلهما. وتبرز أهمية المكان ممثلة في الحالات الشعورية المتعددة في رواية كتاب الأمير لواسيني الأعرج والتي نجدها بارزة في عدة مواضع،والتي كان لها دور بارز في تحريك المشاعر،ومن هنا يبرز مدى التصاقها بالمكان وخضوعها له،كما يتحكم المكان في تصرفاتها وسلوكاتها الصادرة من الشخصيات،وهذا ما نجده مجسدا في حالة الأمير عبد القادر الشعورية عندما كان في السجن، الذي كان يعيش في مكان مغلق ومحدود، بحيث أن الفعل لا يتجاوز الإطار المحدد كالغرفة المظلمة،التي أججت في نفس الأمير مشاعر الغربة والحنين والعزلة ومرارة الألم. وبقليل من التأمل يدرك القارئ مرارة معاناة الأمير من خلال نظرة الأمير لهذا المكان،أي(السجن)،وهكذا كان للمكان تأثيرا كبيرا على مشاعر الأمير ونفسيته،ويتجلى ذلك عن طريق الأوصاف والكلمات التي يتم التعبير من خلالها على المكان والتي تعكس لنا الشخصية وما تعانيه من حالات شعورية كشفت عن نفسها بواسطة إبداء رأيها في المكان ومدي تفاعلها مع المكان سواء كانت علاقتها بالمكان ايجابية أو سلبية،ففي علاقتها الأولى تسعى إلى انتقاء الألفاظ الرقراقة والعذبة لتعبر عن خصب المكان وجماله وألفته،وفي علاقتها الثانية تختار من الألفاظ المقرفة والمقززة والمنفرة لتعبر على مدى تهميشها للمكان والعزوف عنه وهجر لكثرة ما تلاقيه من معاناة وبؤس وحرمان وألم وهذا ما نجده في المكان المحدد كالسجن الذي اعكس على شخصية الأمير والقارئ. لقد تعددت علاقات الشخصيات بالأمكنة في رواية كتاب الأمير،منها ما ارتبط بالحالات الشعورية التي أشرنا إليها في المثال السابق،ومنها ما كان ارتباطه بالمكان ارتباطا اجتماعيا والذي يتجلى من خلال المكان الذي يلعب دورا كبيرا في تفعيل تلك العلاقة،وفي هذا الصدد يرى ميشال بوتور أنه من الممكن أن تشع صور المكان دلالة حضارية، من خلال عكسها لمفاهيم مرتبطة بلحظة حضارية معينة، وهذا الرأي يتفق مع ما لاحظته جوليا كريستيفا في حديثها عن الفضاء الروائي في قولها :أن الفضاء يشكل من خلال العالم القصصي الذي يحمل معه جميع الدلالات الملازمة له،والتي تكون عادة مرتبطة بعصر من العصور حيث تسود ثقافة معينة أو رؤية خاصة للعالم»( ) وما يؤكد بالفعل تلك العلاقة الاجتماعية بين المكان والشخصية ما أوردته أسماء شاهين في دراستها لجماليات المكان في روايات جبرا إبراهيم جبرا مبينة ما يقدمه المكان بالنسبة للإنسان وكيفية تفعيله للعلاقات الاجتماعية في قولها: فالمكان الاجتماعي هو الذي يحتوي على خلاصة التفاعل بين الإنسان ومجتمعه، ولذا فشأنه شأن أي إنتاج اجتماعي آخر،كما أ،ه يحمل جزءا من أخلاقية ساكنيه،وأفكارهم ووعيهم.»( ) ومهما انتقلت الشخصية عن موطنها الأصلي، فإنها تظل مرتبطة به، وبالرغم لما يوفره له هذا المحيط المجاور من حاجيات،والذي يخلق نوعا من الألفة بهذا المكان، إلا أنه يظل مرتبطا ببيئته الاجتماعية وبمكانه الطبيعي الذي تمخضت عنه أفكاره وعاداته وتقاليده التي تنعكس على سلوكا ته، وتعبر عن هويته وانتمائه.

الكلمات المفتاحية

تحولات الشخصية الروائية . تفاعلاتها مع الحيز